اكتسب بند الوساطة، الذي كان يُعتبر في السابق مجرد تشجيع غير ملزم على التشاور، مكانة قانونية أقوى مؤخرًا. ففي حكم صدر مؤخرًا، قضت المحكمة العليا بأنه، بحسب الصياغة، يمكن لهذا البند أن يُلزم فعليًا ببدء الوساطة قبل الشروع في الإجراءات أمام المحكمة أو هيئة التحكيم. وبالتالي، لم يعد هذا البند ذا أهمية رمزية فحسب، بل أصبح ملزمًا قانونيًا أيضًا.
ما هو بند الوساطة؟
بند الوساطة هو شرط في الاتفاقية ينص على أن الأطراف، في حال نشوب نزاع (مستقبلي)، ستسعى أولاً إلى التوصل إلى حل عن طريق الوساطة قبل اللجوء إلى قاضٍ أو محكّم. الوساطة هي شكل من أشكال حل النزاعات ، حيث يساعد طرف ثالث محايد - الوسيط - الأطراف على التوصل إلى حل من خلال التشاور المتبادل. يحدد هذا البند عادةً كيفية بدء الوساطة والمدة الزمنية اللازمة لذلك، ومن يعيّن الوسيط ، والقواعد المطبقة. في بعض الأحيان، يُشترط أيضاً حضور الأطراف اجتماعاً مشتركاً واحداً على الأقل. يهدف هذا البند إلى تجنب الإجراءات المكلفة والمطولة. فوائده واضحة: مساحة أكبر للحلول المصممة خصيصاً، والحفاظ على علاقة جيدة بين الأطراف، وتكاليف أقل، وحل أسرع.
من اختياري إلى إلزامي
حتى وقت قريب، كان يُفترض أن الوساطة تُجرى بطبيعتها على أساس طوعي. وهذا منطقي، إذ لا تُجدي الوساطة نفعًا إلا إذا كان كلا الطرفين على استعداد لبذل جهد طوعي لتحقيقها. وقد أدى هذا التصور إلى تفسير بنود الوساطة في العقود على أنها مجرد التزامات ببذل قصارى الجهد، دون أي تبعات إلزامية في حال عدم الامتثال. إلا أن المحكمة العليا قد شككت في هذا الأمر. فبحسب الحكم الجديد (ECLI:NL:HR:2024:1078)، يعتمد إنفاذ بند الوساطة أساسًا على طريقة صياغته وما يمكن أن يتوقعه الطرفان بشكل معقول من بعضهما البعض بشأنه. ويجب أن يتم هذا التفسير وفقًا لما يُعرف بمعيار هافيلتكس.
الآثار العملية على أطراف الدعوى
إذا بادر أحد الأطراف إلى اتخاذ إجراءات قانونية دون اللجوء إلى الوساطة، في حين ينص بند الوساطة على خطوة وسيطة إلزامية، يجوز للقاضي أو المحكم تأجيل جلسة الاستماع. يتيح هذا فرصة للوفاء بالالتزام التعاقدي باللجوء إلى الوساطة. مع ذلك، لا يتم ذلك تلقائيًا، إذ يحتفظ القاضي بسلطة تقديرية في هذا الشأن. لا سيما في حالات الاستعجال أو إذا ثبت عدم جدوى الوساطة، يجوز للقاضي أيضًا أن يقرر النظر في القضية بنفسه. ومع ذلك، يفرض هذا الحكم ضغطًا على الأطراف المتعاقدة للالتزام الجاد بالاتفاقيات المبرمة سابقًا بشأن تسوية المنازعات.
قوة الصياغة الواضحة
تعتمد قيمة بند الوساطة بشكل أساسي على صياغته. فبنود الوساطة العامة والمُصاغة بشكل فضفاض تحمل في طياتها احتمالية تفسيرات مختلفة. وكلما كانت الأحكام أكثر تحديدًا ووضوحًا، زادت فرص نجاح الوساطة. ومن العناصر التي تُسهم في ذلك: الإشارة الصريحة إلى سجل الوسطاء أو إلى إجراءات محددة، واشتراط عقد اجتماع أولي، والاتفاق الواضح على تعليق الإجراءات القانونية لحين محاولة الوساطة. كل هذا يُؤكد أهمية كل كلمة في العقد، وضرورة الاستعانة بخبير لصياغة العقود.